جلال الدين السيوطي
57
معترك الاقران في اعجاز القرآن
وهكذا نداؤه سبحانه للرسل والأمم يومئذ ، كقوله « 1 » : « وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ » . والرّسل صلوات اللّه وسلامه عليهم لم يذهلوا عن جواب قومهم لهم في الدنيا ؛ لأنهم آمنون يومئذ ؛ وإنما تأدّبوا مع اللّه سبحانه لردّ العلم إليه سبحانه . قال ابن عباس رضى اللّه عنه : المعنى لا علم لنا إلا ما علّمتنا . وقيل معناه علمنا ساقط في جنب علمك . ويقوّى هذا قولهم « 2 » : « إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » ؛ لأن من علم الخفيّات لم تخف عليه الظواهر . وسؤال اللّه لهم مع علمه توبيخ واحتجاج على المخالفين . وانظر الصحابة رضى اللّه عنهم كيف تأدّبوا بهذا الخلق العظيم في آخر حجّة الوداع لما قال صلى اللّه عليه وسلم : أىّ يوم هذا ؟ أي شهر هذا ؟ أي مكان هذا ؟ فأجابوا بقولهم : اللّه ورسوله أعلم ، مع أنهم علموا الشهر واليوم والمكان ؛ لكنهم تأدّبوا معه صلى اللّه عليه وسلم ، وتوهموا لعله أن يريد غير هذا . ( فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) « 3 » : هذه عادة اللّه سبحانه في عقاب من طلب من الرسول آية فكفرها ؛ وأصحاب المائدة سألوها من عيسى ، فقال اللّه : إني منزّلها عليكم ، فكفروا ، فمسخهم اللّه قردة وخنازير . قال عبد اللّه [ 227 ا ] بن عمر : أشدّ الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة ، وآل فرعون ، والمنافقون . ( فَانْظُروا ) « 4 » : أمر اللّه رسوله أن يأمر قريشا بالسير في الأرض للاعتبار بمنازل الكفار الذين كانوا قبلهم .
--> ( 1 ) القصص : 65 ( 2 ) المائدة : 109 ( 3 ) المائدة : 115 ( 4 ) آل عمران : 137